لايـراهـُ إلا الـمـرضـَــى !
كتبهاعهود حجازي ، في 6 مايو 2008 الساعة: 14:50 م

المكان : مستشفى الزاهر بمكة المكرمة
الزمان : العاشرة صباحاً من ضحى أحد الأيام
((وحدة غسيل الكـِلـَى ))
***
ثماني مريضات ممددات على الأسِرّة
بجانب كل واحدة منهنّ جهاز كبير
هدوءٌ يقطعه أنين ، فأنينٌ ، فأنين ..
الجهاز يزمجر بصوته المهيب
للغرفة رهبةٌ ، وللمرض رهبة ،
ولرائحة التعقيم _ أيضاً _ رهبة ..
***
دخلتُ بـ صمت ..
سلمتُ عليهن .. واحدة واحدة ..
بعضهن استطاعت أن ترد عليّ سلامي
وبعضهن في أوج الألم كانت ، فلم ترد ، ولم تعِ حتى ..
***
أعدّت لي الممرضات كرسياً مقابلهنّ
جلستُ عليه أتحسس كل جزء في جسدي وفي أذني الآهات تقتلني
لم أدرِ بمَ أبدأ الحديث معهن ؟
قلت لهن .. (سلامتكم والله ماتشوفو شر )
فردت واحدة (في سِنّ جدتي تقريباً) ،
وبصوتٍ واهن : الشر مايجيكي يابنتي
سكتُّ مرةً أخرى ..
ثم قلت ..
طيب
بسم الله ، والحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، الحبيب المصطفى ، الذي قال :
( ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ ولا نصَبٍ ولا وَصَبٍ ، حتى الشوكة يُشاكها ، إلا كفـّر الله بها مِن خطاياه ) الحديث
ثم شرَعْتُ أشرح لهن معنى الصبر ، وأجر الصابرين ، وكيف أنّ الصبر على الآلام والأسقام مرتبةٌ كبيرة لا يبلغها إلا الذين أراد الله بهم خيراً ..
***
قليلاً قليلاً بدأت المريضات بالإنسجام ..
وأخذ صوت الآهات المعذّبةِ يخفت شيئاً فـ شيئاً ..
سألتني واحدة عن يميني وهي تجاهد كي تتكلم _بعد أن حاولتِ الجلوس _ :
يا بنتي .. هادا الألم اللي بيقتلني ، آخد عليه أجر ؟
انكمش قلبي .. وأنا أقول : إيوة ياخالة .. وممكن بهادا الألم لوحده تدخلي الجنة !
_ بجد ؟؟
قالتها ثلاثة مريضات منهن على صوتٍ واحد
لمعت دمعة في عيني .. شعرتُ أنهن ما عرفن الامل منذ أن وقعن فريسة للمرض
_ إيوة .. في حديث فيما معناه إنو الواحد ربنا يبتليه ويبتليه ، ويبتليه ( حتى يمشي على ظهر الأرض وما عليه خطيئة ) !
تتخيلي إنك جالسة تتألمي دحين وزنوبك بتتمحي إلين في الأخير مايسير في صحيفتك ولا زنب ؟
تتخيلي تقابلي ربنا ممكن اليوم ، ممكن بكرة ، ومايكون عندك ولا زنب واحد ؟
تتوقعي ربنا مارح يرحمك بعد صبرك الطويل دا ويدخلك الجنة ؟
_آآآه
تصاعدت آهةٌ صارخة من إحداهن والألم يزداد ..
نظرنا إليها حيث تمددت مجدداً ..
_ مأجورة ياخالة
لم ترد عليّ .. كانت تتألم ..
فـ واستها جارتها على السرير الآخر :
_ كلنا تعبانين يا أختي .. الله يعين
***
ولمن لا يعلم ، فمرض الفشل الكلوي من الامراض المنتشرة في عصرنا الحاضر، ولكنه على انتشاره لا يُعَدُّ مرضاً سهلاً ، وليس غسيل الكلى بالأمر اليسير ،
واسألوا إن شئتم عن تلك الآلام التي تصاحب إدخال جسم صلبٍ وسميك إلى الجسد ليكون واسطة بينه وبين الجهاز الضخم ذاك !
***
نظرتُ إلى أبعد المريضات عن مكان جلوسي ..
لم تستيقظ منذ دخولي ، ولم ترد سلامي ، ومازالت مغطّاة وممددة ..
سألت عن اسمها ، فأخبروني : أم صالح
ناديتها : أم صالح شاركينا ؟
سامعتني يا أم صالح ؟
قالت الممرضة : دعيها ، فإنها فاقدة للوعي منذ أن استلقت على السرير ، وبدأ الجهاز عمله
***
نادتني مريضة ثانية : يابنيتي
_ هلا يا خالة
_ كلامك يريح القلب ، كمليه !
_ ارتحتي ياخالة ؟
_ والله حسيت اني قريبة من الجنة !
بكى قلبي .. بكيت بلا دموع ..
_ أبشري ياخالة .. من عيوني
***
اخترتُ مساراً آخر للحديث ..
تحدثتُ عن تفاهة الدنيا وبلهجتي العامية كي يفهمن عليّ ، وخاصة أنهن من كبيرات السن وذوات الأحفاد ..
صوت شهيق يعلو ..
_ سلامات يا أم ماجد ! إشبك ؟
ردت بلهجتها المصرية :
_ ياربي ماتخرّجناش من الدنيا إلا وانتا راضي عننا يارب !
***
مضت ساعتان من عمر الزمن واقترب موعد عَودتي إلى الجامعة
انهيتُ حديثي
ملأتُ منهنّ عيني
حمدتُ الله ألف مرة على كل عرقٍ ينبض في جسدي بعافية
سلمتُ عليهنّ ، ثم عدتُ لأسلم مرة ثانية وثالثة
تحتضنني أم سارة ..
وأم خالد ، وأم ماجد
وتظل أم صالح في غيبوبتها ، إلى أجل غير مسمىً ..
***
_ من جد رح توحشوني !
وخرجتُ ودمعي يتفجّر من مآقيّ
_ عهود .. عهود
صوتٌ يتعالى ..
مسحتُ دمعتي الاخيرة ..
_ نعم
_ الله يحفظ عليكي عافيتكي الين تموتين
***
نشيجي يتعالى بين الممر والغرفة
وأمضي ..
_ آمين يارب .. آمين !!
***
صدَق من قال إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لايراه إلا المرضى !
***
(( اللهم متـّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أبقيتنا
واجعلها الوارث منا ))
***
عهود حجازي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























